فصل: مسألة أوصى بأن يشترى عبد من ثلثه في سبيل الله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الحبس على الولد بشرط إخراج البنات منه:

ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه:
قال ابن القاسم: قال مالك في الذي يحبس الحائط على بنيه الذكور والإناث فمن تزوج من البنات فلا حق لها إلا أن تردها رادة، ثم هو بعد ذلك حبس على موالي، فمات البنون كلهم إلا ابنة واحدة متزوجة، ما يصنع بالغلة؟ قال مالك: تكون للموالي أبدا حتى ترجع الابنة ولا تحبس الغلة عنها عليها.
قال محمد بن رشد: مالك يكره الحبس على الولد بشرط إخراج البنات منه، ويرى وجه الشأن فيه أن ينقض ويدخل فيه البنات ما لم يفت، وقد مضى الكلام على ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، فإذا فات ولم يرد مضى على شرطه، فإن تزوجت منهن واحدة رجع حظها على من بقي معها من إخوتها في الحبس حتى تتأيم عن الزوج بموت أو فراق فترجع على حقها فيما يستقبل، وسواء قال المحبس إلا أن تردها رادة أو سكت عن ذلك على قياس ما قاله مالك في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب في الذي حبس على يتيمين، وقال: من مات فلا حق له، ومن ارتغب فلا حق له، وقد قيل: إنه يسقط حقها بالتزويج فيما يستقبل أبدا إلا أن يقول إلا أن تردها رادة، وقد تئول أنه قول بعض العلماء الذي أنكره مالك في مسألة رسم الأقضية المذكورة، وفي المجموعة نحوه من رواية ابن القاسم عن مالك، قال فيمن حبس على أن من فرض له منهم في الديوان فلا شيء له ففرض لهم فلم يأخذوه وأخذ من فرض له مرة ثم انقطع، فقال: من أخذه مدة فلا شيء له في الغلة، وكذلك إذا لم يبق من بنيه المحبس عليهم إلا واحدة متزوجة ترجع جميع الغلة إلى الذي إليه مرجع الحبس بالحكم أو بنص من المحبس على قوله في هذه الرواية: إن الغلة تكون للموالي الذي جعل المحبس مرجع الحبس إليهم، وهي تبين ما وقع في رسم الصبرة من سماع يحيى بعد هذا إذ لم يقع لذلك فيه جواب، وقال مطرف وابن الماجشون: إذا لم يبق من المحبس عليهم إلا ابنة متزوجة فتوقف الغلة؛ فإن رجعت أخذتها لأنها من ولد المحبس، فهي أولى ممن له المرجع، وإن ماتت قبل أن تتأيم عن الزوج كانت الغلة الموقوفة للذي له المرجع.
واختلف إن مضت مدة وهي مع الزوج ورحل أحق الناس بالمرجع ثم مات وخلفه آخر مكانه هو أحق الناس بمرجع الحبس بعده، فمضت هذه أيضا، ثم ماتت وهي في عصمة الزوج، فقال ابن الماجشون لكل واحد منهما من الغلة الموقوفة ما يجب للمرأة التي عايشها فيها وهو أحق بمرجع الحبس، وقال مطرف: بل تكون جميع الغلة للذي له المرجع يوم ماتت الابنة المتزوجة، وإن لم يبق من الولد المحبس عليهم إلا بنات متزوجات فوقفت الغلة فتأيمت إحداهن بعد مدة أخذت جميع ما وقف وجميع الغلة فيما يستقبل، فإن تأيمت الثانية بعد ذلك قاسمت أختها فيما أخذت بنصفين، كأنهما ما تزوجتا، وإن تأيمت الثالثة رجعت على كل واحدة منهما بثلث ما صار إليها مما وقف ومما استغلتاه بعد ذلك إلى حين تأيمها، والتعيين في هذا وغير التعيين على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك سواء، وهو نص قول أصبغ في الواضحة، وقال ابن الماجشون: إن عينهن في التحبيس، وقال: من تزوج منهن فلا حق لها سقط حق من تزوج منهن بالتزويج ولم يعد إليها أبدا، إلا أن يقول: فإن تأيمت فهي على حقها في الحبس.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن حق من تزوج منهن لا يسقط إلا ما دامت متزوجة ولم يقل إلا أن تردها رادة، والثاني: أن حقها يسقط بالتزويج أبدا إلا أن يقول: فإن ردتها رادة فهي على حقها، والثالث: الفرق بين التعيين وغيره، فإن كان عينها سقط حقها بالتزويج أبدا إلا أن يقول: فإن ردتها رادة فهي على حقها من الحبس، وإن كان لم يعينها لم يسقط حقها بالتزويج إلا ما دامت متزوجة ولم يقل إلا أن تردها رادة، وبالله التوفيق.

.مسألة الذي يحبس الحبس على ولده الذكر والأنثى فيه سواء:

قال ابن القاسم: قال مالك، في الذي يحبس الحبس على ولده: الذكر والأنثى فيه سواء، وليس للذكر مثل حظ الأنثيين إلا أن يشترط ذلك في حبسه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا حبس عليهم فقد شرك بينهم فيما حبسه عليهم، فوجب أن يكون الذكر والأنثى فيه سواء إلا أن يفضل أحدهما على صاحبه، بدليل أن الله عز وجل لما شرك بين الإخوة للأم في الثلث ولم يفضل الذكر منهم على الأنثى فيه كانوا فيه على السواء، ولم يقس ذلك على البنين والبنات في قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، ولا على الإخوة والأخوات في قوله: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176]، والله الموفق.

.مسألة يحبس على ولده حبسا ويشهد لهم ويكتب لهم بذلك كتابا:

ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده:
قال عيسى وأصبغ: وسألناه: عن الرجل يحبس على ولده حبسا ويشهد لهم ويكتب لهم بذلك كتابا، ومثلهم يحوز لهم أبوهم ثم يتعدى فيرهنها فيموت وهي رهن كما هي، قال: يبطل الرهن ويثبت الحبس ولا رهن، وقاله أصبغ، وقال: رهنه بمنزلة بيعه إياها، كما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه رهن الحبس بعد أن كان أبانه عن نفسه، وحازه لابنه بأن رحل عنه إن كانت دارا يسكنها، أو كانت خالية إن كان لا يسكنها فأشهد على تحبيسه إياها وحيازته، وأما لو كان حبسها وهو ساكن فيها ثم رهنها لنفسه قبل أن يرحل عنها فلم يعثر على ذلك حتى مات لبطل الحبس، وكذلك لو باعها بعد أن حبسها قبل أن يرحل عنها فلم يعثر على ذلك حتى مرض أو مات، ولو عثر على ذلك في حياته وصحته لفسخ البيع والرهن فيها وصح الحبس بالحيازة، ولو كانت صدقة من غير حبس فباعها قبل أن يرحل عنها لكان الثمن للابن وإن مات الأب في الدار؛ لأنه إنما مات فيها وهي للمشتري، لا لابنه إلا أن يكون باعها لنفسه نصا استرجاعا للصدقة فلم يعثر على ذلك حتى مات فإن الصدقة تبطل، ولو عثر على ذلك في حياته وصحته لفسخ البيع فيها وردت الدار لولده ولو باعها بعد أن رحل عنها وحازها لابنه لجاز البيع على الابن، وكان له الثمن في مال أبيه، حيا كان الولد أو ميتا، وإن لم ينص على أنه باع لابنه إلا أن يبيع نصا استرجاعا لصدقته فبيعه مردود إلى الولد، حيا كان الولد أو ميتا؛ لأنها قد كانت صدقة ببينونته عنها إلى أن باعها والثمن للمشتري في مال الأب، وجده أو لم يجده لا شيء على الولد منه، قاله ابن حبيب في الواضحة، وبالله التوفيق.

.مسألة قال الرجل داري حبس على امرأتي وأم ولدي:

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك:
وقال مالك: إذا قال الرجل داري حبس على امرأتي وأم ولدي أو غلة داري حبس فمن تزوج منهما فلا حق لها فيها إلا أن تردها رادة، فتزوجت واحدة منهما، قال: يرجع حظها في يد الأخرى التي لم تتزوج، فإن طلق التي تزوجت زوجها أو مات عنها رجعت على حقها، قال: ولو قال: هو بينكما فمن تزوج فلا حق لها إلا أن تردها رادة، فمن تزوج منهما رجع حظها على الورثة ولم يرجع على صاحبتها، فإن طلقها زوجها أو مات عنها رجعت على حقها، فليس بينكما وعليكما سواء، وهو بمنزلة من قال: غلامي يخدم فلانة يوما وفلانة يوما، فمن تزوج منهما فلا حق لها إلا أن تردها رادة، فمن تزوج منهما رجع حظها على جميع ورثة الميت، فإن طلقها زوجها أو مات عنها رجعت على حظها، ولو قال: عليكما؛ رجع حظها إذا تزوجت على صاحبتها حتى يطلقها زوجها أو يموت عنها.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في الفرق بين أن يقول بينكما وعليكما والاختلاف في ذلك في أول مسألة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وقال أشهب: ولو قال حبست عليكما حياتكما وهو للآخر منكما فلا يكون للآخر منهما إلا حبسا عليه حياته، وإذا لم يسم حياتهما فهو للآخر منهما بتلا يصنع به ما شاء. وقول أشهب هذا في تفرقته بين أن يقول حياتكما أو لا يقول ذلك- هو ما ذهب إليه محمد بن المواز، خلاف ما مضى من قول ابن القاسم في آخر رسم يسلف، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك وفي أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة قال الرجل عند موته داري حبس ولم يسم أحدا:

ومن كتاب أوله لم يدرك:
قال: وإذا قال الرجل عند موته: داري حبس، ولم يسم أحدا قسمت على المساكين وكانت حبسا عليهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة بنات الأخ والعمة من العصبة الذين يرجع عليهم الحبس:

قال: وبنات الأخ والعمة من العصبة الذين يرجع عليهم الحبس.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في سماع سحنون من أنه لا تدخل العمة في مرجع الحبس، ولا كل من لا يرث من النساء مثل ما في أول رسم من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك تحصيل الاختلاف في ذلك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة شهد رجلان على أنهم كانوا يسمعون أن هذه الدار حبس:

قال: وإذا شهد رجلان على أنهم كانوا يسمعون أن هذه الدار حبس جازت شهادتهما وكانت حبسا على المساكين إن كان لم يسم أحدا، قيل له: فرجلان يشهدان وفي القبيل مائة رجل من أسنانهم لا يعرفون منه شيئا؟ قال: إذا كان كذلك فلا تقبل شهادتهما إلا بأمر يفشو ويكون عليهم شهود أكثر من اثنين، وأما إذا شهد شيخان قديمان قد أدركا الناس وباد جيلهما أنهما سمعا أنه حبس فشهادتهما جائزة.
قال محمد بن رشد: ابن الماجشون لا يجيز في شهادة السماع أقل من أربعة شهداء، وإجازة ابن القاسم شهادة السماع في هذه المسألة خلاف مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: إن شهادة السماع لا يثبت بها النسب ولا الولاء، ويقضى له بالمال دون ثبات النسب والولاء، فعلى ما في المدونة لا تجوز شهادة السماع في الحبس إلا مع القطع بأنها تحترم بحرمة الأحباس، وذلك بين من مذهبه في المدونة، وهو على أصله فيها أنه يقضي بشهادة السماع بالمال، ولا يثبت بذلك النسب ولا الولاء، فكذلك باليد للمحبس دون أن يثبت الحبس، وقد مضى في نوازل سحنون من كتاب الشهادات تحصيل الخلاف فيما يجوز فيه شهادة السماع مما لا يجوز، فلا معنى لإعادته هاهنا.
وقول ابن القاسم في هذه الرواية: إنه لا تجوز شهادة الشاهدين على السماع في الحبس إلا أن يكونا شيخين قديمين قد أدركا الناس وباد جيلهما- معارض لما له في كتاب الصيام من المدونة من إجازة شهادة شاهدين على رؤية الهلال في الصحو والغيم؛ لأن الذي يأتي في مسألة الصيام على قياس قوله في هذه الرواية ألا تجوز شهادة الشاهدين على رؤية الهلال إلا في الغيم.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز في السماع على الحبس إلا أكثر من شاهدين في كل حال وهو مذهب ابن الماجشون الذي ذكرناه، والثاني: أنه تجوز شهادة شاهدين في كل حال، وهو الذي يأتي على قوله في المدونة في مسألة الصيام، والثالث: تفرقته في هذه الرواية، ومعنى ما أجازه من شهادة السماع في هذه الرواية إذا كانت المدة قد طالت طولا تبيد فيه الشهود، قال في الشهادات من المدونة مثل الأربعين سنة والخمسين، وفي سماع عيسى من كتاب القسمة أن في عشرين سنة تبيد الشهود، وابن الماجشون يجيز شهادة السماع في الخمسة عشر عاما.
وقد اختلف إذا لم يشهد على الحبس إلا شاهد واحد عدل، ففي كتاب ابن المواز، قال أصحابنا: إذا كان مبتلا ومعقبا فلا يصح فيه اليمين، وقال عبد الملك عن مالك: إذا حلف الجل منهم نفذت الوصية عليهم وعلى غائبهم إن قدم ومولودهم إن ولد وفي السبيل بعدهم، وروى عنه ابن حبيب: يحلف من أهل الصدقة رجل واحد مع الشاهد وينفذ له ولأهلها ولمن يأتي، قال عنه مالك: وإن باد شهودها فلم يثبت إلا بالسماع حلف أيضا واحد من أهلها الذين شهدوا بأنهم لم يزالوا يسمعون من العدول أنها حبس على بني فلان ثم تستحق حبسا، وهذا على ما في المدونة من أن الشهادة على السماع لا يثبت بها النسب ولا الولاء، وإنما يستحق بها المال مع اليمين، فكذلك يستحق الحبس بذلك مع اليمين على مذهب من يرى أنه يحلف واحد من المحبس عليهم مع الشاهد الواحد على البت ويستحق الحبس، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى بأن يشترى عبد من ثلثه في سبيل الله:

قال ابن القاسم، في رجل أوصى بأن يشترى عبد من ثلثه في سبيل الله، قال: يشترى عبد فيجعل في الرباط يخدم الغزاة، قيل له: فمن يطعمه؟ قال: يعمل في طعامه ويخدم.
قال محمد بن رشد: فإن لم يكن فيما يستعمل فيه ما يقوم منه نفقته ولم يوجد من ينفق عليه بيع واشتري غيره مكانه ممن تكون نفقته في عمله، فإن لم يوجد ذلك في ثمنه فرق في السبيل، وقد مضى هذا المعنى في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة أخدم نصف عبد له بينه وبين رجل رجلا سنة فأعتق شريكه في العبد نصيبه:

ومن كتاب أوله سلف دينارا:
قال: وقال مالك، في رجل حبس على أم ولد له جارية تخدمها حياتها ومات وله ولدان، فقال أحدهما: لأم الولد نصيبي من هذه الجارية صدقة عليك، فأعتقت أم الولد ذلك النصيب الذي تصدق به عليها وصار لها، قال: تخرج الجارية حرة ساعتئذ ويقال لأم الولد أخرجي نصف القيمة فيؤخذ ذلك منها فيرجع ويوقف، فإن ماتت الجارية المخدمة قبل أم الولد لم يكن لهذا الذي لم يتصدق شيء ورجع ذلك إلى أم الولد، وإن ماتت أم الولد قبل الجارية دفع ذلك إلى هذا الذي لم يتصدق أو ورثته إن كان قد مات، وإنما أوقفنا المال؛ لأن أم الولد لو هلكت والجارية حية ذهب حق المتمسك بالرق؛ لأنه إنما له مرجعها بعد وفاة أم الولد؛ ولأنا إنما أخذنا المال منها خوفا أن تفلس أم الولد وتعدم فيذهب حق هذا، وتخرج الجارية حرة ساعتئذ، ولا يوقف نصفها للحرية التي ثبتت فيها، فوقف نصف قيمتها بمنزلة وقفها إذا هلكت أم الولد وهي حية، ويعجل لها العتق كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أعتق شركا له في مملوك»، فهذا شرك، قال عيسى: وإن لم يكن لأم الولد مال وكانت عديمة عتق منه نصيبها ويواجر النصف الآخر، فكلما اجتمع من إجارتها شيء له بال عتق منها ذلك، وحبس ذلك الخراج؛ لأنه لم يكن لها فيها إلا الخدمة، فلما أعتقتها كانت تاركة للخدمة فإن ماتت الخادم قبل أم الولد رجع ذلك الخراج الذي كان حبسا إلى أم الولد، وإن ماتت أم الولد قبل ذلك كان ذلك الخراج للولد المتمسك بالرق، وإن كان بقي من الأمة شيء لم يكن عتق كان ذلك له أيضا.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن أبي زيد متصلا بهذه المسألة، قال ابن المواز: لا أرى إيقاف القيمة، بل ينظر كم يسوى مرجعها على أمد العمرين عمر الأمة وعمر أم الولد على الرجاء والخوف، فيعجل لهذا الابن ولا يبالى إن ماتت الأمة قبل وقت مرجعها؛ لأنها على الغرر قومت، وإيقاف قيمتها ظلم، وكيف توقف أيضا الأمة وقد يحدث فيها عيب قبل موت أم الولد؟ وقد روى عن ابن القاسم أيضا أنه قال: ينظر إلى قيمة مرجعها بعد أم الولد على الغرر والرجاء، فتوقف نصف القيمة من مال أم الولد حتى يعلم أيهما تموت أولا، قال ابن المواز: وهذا أبعد من الأول، وأحب إلي تعجيل نصف هذه القيمة للابن، وهو كما قال ابن المواز؛ لأن توقيف نصف القيمة على الرجاء والخوف ظلم بين للابن؛ لأن نصف الأمة يصير ملكا له بموت أم الولد ويرتفع الخوف منها، فكيف يعطي قيمتها بعد موت أم الولد على الرجاء والخوف وقد ارتفع بصحة الملك له وتيقنه؟ ولأن إيقاف نصف قيمتها يوم أعتقتها وهي لا تجب عليها إذ لا يدري لعلها ستموت قبلها فينكشف الأحق للابن فيها أو تموت أم الولد قبلها فيعلم أنها إنما وجبت له حينئذ، فكيف يأخذ قيمتها التي قومت به قبل أن يجب له، ولعلها أكثر من قيمتها يوم وجبت له، فيكون ذلك ظلما لأم الولد أو أقل من قيمتها يوم وجبت له فيكون ذلك ظلما له في إعطائه أقل من قيمتها يوم وجبت له.
فأعدل هذه الثلاثة الأقوال- ما قاله محمد بن المواز من أنه يعجل له نصف قيمتها على الرجاء والخوف.
ويتخرج في المسألة قول رابع على قياس قول ابن القاسم في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى من كتاب الخدمة فيمن أخدم نصف عبد له بينه وبين رجل رجلا سنة فأعتق شريكه في العبد نصيبه أنه لا يقوم عليه نصيب المخدم حتى يجب له بالقضاء السنة، وتوقف القيمة إلى انقضاء السنة إن خشى عليه عدم، وهو على ألا يجب في أم الولد فيها قيمة بحال؛ لأنها إن ماتت قبلها انكشف بموتها وجوب نصفها للابن ولم يصح أن يقوم عليها ذلك النصف بعد موتها على قولهم فيمن أعتق شخصا له في عبد فلم يقوم عليه حتى مات أنه لا يقوم عليه بعد الموت إلا أن يكون موتها قريبا من عتقها على اختلاف في ذلك، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتبية ورواية مطرف وابن الماجشون عنه في الواضحة، وبالله التوفيق.

.مسألة الحوز في الصدقات والأحباس:

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق:
قال: وسألت عبد الرحمن بن القاسم عن تفسير الحوز في الصدقات والأحباس ممن قد بلغ الحوز وما يجوز للأب حوزه ممن تصدق عليه أو حبسه ممن يليه من ولد صغير أو كبير سفيه وعن قسمة الحبس بين أهله فإنه ربما كان فيمن حبس عليه الصغير والكبير والحاضر والغائب والغني والفقير، وربما استوت الحالات في الفقر والغنى وكثرة العيالات من أحدهما، فقال: قد وصفت لك من ذلك ما حضرني ورضيت واخترت لنفسي ولا توفيق إلا بالله.
فكل من تصدق بصدقة أو حبس حبسا على ولده صغارا أو كبارا فإن كانت الصدقة والحبس على صغار كلهم فحيازة أبيهم لهم حوز إذا أشهد لهم وبتل لهم صدقتهم أو حبسهم فكان هو القائم بأمرهم والناظر لهم في كراء إن كان أو ثمرة أو ما تحتاج إليه الصدقات من المرمة والإصلاح حتى يبلغوا الحوز وترضى حالهم مع البلوغ، والبلوغ الحلم للرجال مع الصلاح وحسن الحال، فإن بلغوا الحلم ورضيت حالهم وتزوج النساء ودخل بهن أزواجهن ورضيت مع ذلك حالاتهن فلم يحوزوا جميعا الرجال والنساء بعد أن بلغوا ما وصفت لك حتى هلك الأب فالصدقة لهم، وهم بمنزلة من تصدق عليه وقد بلغ ورضي حاله ثم لم يحز لثلث ما تصدق به عليه أو حبس حتى هلك من تصدق أو حبس فإن ذلك لا صدقة له ولا حبس بتركه حيازة صدقته أو حبسه حتى مات المحبس له أو المتصدق به.
وإن كانوا قد بلغوا الحالات التي قد وصفت لك من الاحتلام للرجال والدخول بالنساء وهم جميعا في ذلك لا ترضي حالهم فإن حيازة الأب لهم جميعا حيازة؛ لأن السفيه بمنزلة الصغير؛ لأن كل من ولي عليه فحيازة من يليه حوز؛ لأنه الناظر له والمدبر لأمره ولا رأي له في نفسه ولا ماله إلا بوليه، فلذلك رأى أهل العلم أنهم يحاز لهم إذا كانوا على ما وصفت والنساء إذا بلغن ورضي حالهن ولم يتزوجن ولم يدخل بهن مخالف للرجال، المرأة أبدا في ولاية أبيها وإن رضي حالها يجوز عليها أمره وينفذ لها حكمه من تزويج أو غيره وإن بلغت.
والرجال ليسوا بهذه المنزلة إذا احتلم الرجل ورضي حاله لم يجز عليه أمر غيره، فلذلك افترق الرجال عندي والنساء في هذا الوجه الذي ذكرت لك.
وإن كان من تصدق عليه أو حبس عليه صغارا وكبارا وفي الكبار من قد رضي حاله فلم يحز له ولا للصغار حتى مات المتصدق أو المحبس فلا صدقة ولا حبس للصغير ولا للكبير من قبل أنه لم يفرز للصغار شيئا بعينه فيكون أبوهم يحوزه ويرد ما لم يحز للكبار ولكنه تصدق أو حبس بشيء مشاع ليس مقسوما عليهم جميعا ولم يحز الكبار عن الأب فيجوز، ولم يعرف ما للصغار فيحوزه الأب لهم، فلما كان ذلك رأيتها صدقة لم تحز حتى مات صاحبها الذي تصدق بها فلذلك رأيت ردها.
وإن كانت الصدقة أو الحبس على الصغار والكبار مفروزة معروفة قد عرف ما للصغار منه وما للكبار بتفرقته إياه وإشهاده عليه وإثابة بعضهم فيه من بعض ثم لم يحز الكبار حتى مات المتصدق أو الحبس رأيت أن يجوز ما للصغار منه، ويرد ما للكبار لأنه يحوز للصغار أبوهم ولا يحوز للكبار الذين قد بلغوا ورضي حالهم إلا أنفسهم.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة فإن بلغوا الحلم ورضيت حالهم وتزوج النساء ودخل بهن أزواجهن ورضيت مع ذلك حالاتهن- يدل أن الغلام بعد الاحتلام محمول على السفه، فلا يخرج من ولايته حتى يثبت رشده، وهو نص رواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب الصدقات والهبات.
قوله: وليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى يعرف حاله ويشهد العدول على إصلاح أمره، وهو ظاهر سائر الروايات في المدونة وغيرها، إلا ما وقع في أول كتاب النكاح من المدونة قوله فيه: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، فإن ظاهره أنه بالاحتلام يكون محمولا على الرشد وتجوز أفعاله حتى يعلم سفهه، وهي رواية زياد عن مالك في البكر أنها تخرج من ولاية أبيها بالحيض، فكيف بالغلام؟ وقد تأول ابن أبي زيد قوله في المدونة: فله أن يذهب حيث شاء- أن معناه: بنفسه، لا بما له، فعلى هذا اتفق الروايات كلها، ولا تخرج عنها إلا رواية زياد عن مالك، وقد تأول أن قول مالك إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، معناه: إذا احتلم ورضيت حاله، بدليل قول ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحية سفه فله أن يمنعه، وإلى هذا ذهب ابن لبابة، فقال: هذا هو الحق، لو مات الأب وأوصى به لم يخرج من ولاية الوصي حتى يثبت رشده، فكيف بالأب؟ ومثله في المدونة، وقوله: فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف بالآباء الذين هم أملك بهم من الأوصياء؟ وإنما الأوصياء بسبب الآباء، ويدل أيضا على أن البكر وإن دخل بها زوجها فهي محمولة على السفه حتى يثبت رشدها، وهو قول مالك في الموطأ والمدونة، وفي الواضحة من رواية مطرف عنه أنها في ولاية أبيها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها، أي: يشهد العدول على صلاح أمرها، فهي على قول مالك هذا ما لم تنكح ويدخل بها زوجها في ولايته مردودة أفعالها وإن علم رشدها، فإذا دخل بها زوجها حملت على السفه وأقرت في ولايته وردت أفعالها ما لم يظهر رشدها.
وقد اختلف في الحد الذي تخرج به الجارية من ولاية أبيها اختلافا كبيرا تتحصل فيه ثمانية أقوال، قد ذكرتها في مسألة ملخصة في هذا المعنى ليس هذا موضع ذكرها، وقوله فيها: المرأة أبدا في ولاية أبيها وإن رضي حالها يجوز عليها أمره وينفذ لها حكمه من تزويج أو غيره- ظاهره: وإن عنست، وقد قيل: إنها إذا عنست وبلغت الخمسين سنة فلا تجوز حيازته لها ولا تزويجه إياها إلا برضاها، فإن زوجها بغير رضاها لم يفسخ، قاله مالك ورواه أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز لأبي زيد عن ابن القاسم مثله في الستين سنة، وقد قيل: إن حد تعنيسها أربعون سنة، فهي على القول بمراعاة التعنيس بعد التعنيس محمولة على الرشد مجوزة أفعالها ما لم يعلم سفهها، وقيل: مردودة أفعالها وإن علم رشدها، بخلاف الرجل؛ لأن الرجل بعد البلوغ محمول على الرشد حتى يعلم سفهه، وقيل: على السفه حتى يعلم رشده، فيفترق الرجل من المرأة في هذا الوجه كما قال في الرواية ويتفقان في جواز حيازة الأب عليهما جميعا.
وقوله: إن كان من تصدق عليه أو حبس عليه صغارا وكبارا... إلى آخر قوله- هو مثل قوله في المدونة في مساواته بين الحبس والصدقة في أنه إذا حبس على صغار وكبار أو تصدق على صغار وكبار فلم يقبض الكبار لأنفسهم وللصغار ما حبسه عليهم أو تصدق به عليهم لم يجز من ذلك للصغار شيء خلاف رواية علي بن زياد عن مالك في المدونة في تفرقته في ذلك بين الحبس والصدقة فأبطل نصيب الصغار في الحبس وأجازه في الصدقة، ومثل رواية علي بن زياد عن مالك في أن نصيب الصغار يجوز في الصدقة، روى أشهب عنه في كتاب الصدقات والهبات في رسم الوصية، وقاله ابن وهب أيضا في سماع عبد الملك من الكتاب المذكور، فلا اختلاف في أن نصيب الصغار يبطل في الحبس إذا لم يحزه الكبار، قال ابن حبيب في الواضحة، عن المدنيين والمصريين جميعا: إلا أن يكون الأب قسم ذلك في أصل التحبيس والصدقة أو بعده فحاز نصيب الصغار فإنه يجوز لهم ما حازه لهم، وفي ذلك نظر سنذكره إن شاء الله في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
ووجه تفرقة مالك في ذلك بين الحبس والصدقة هو ما قاله في رواية علي بن زياد عن مالك في المدونة من أن الحبس لا يقسم ولا يجزأ، والمعنى في ذلك عندي: أن الحبس ليس للصغار منه جزء معلوم فتصح قسمته بينهم وبين الكبار؛ لأنه كلما مات منهم ميت من الصغار أو الكبار رجع حظه على من بقي منهم، فلما لم يكن حظ الصغار منهم معروفا لم يكن الأب حائزا له، ولو كان الحبس على ابنين له بأعيانهما أحدهما صغير والآخر كبير فلم يحز الكبير منهما الحبس لوجب أن يجوز حظ الصغير من ذلك عند مالك على القول؛ لأن من مات منهما لا يرجع حظه على صاحبه ويرجع إلى المحبس أو إلى أقرب الناس به، وقاس ابن القاسم رَحِمَهُ اللَّهُ الصدقة والهبة على قول مالك في الحبس فأبطل نصيب الصغار منه إذا لم يحزه الكبار، والمعنى في ذلك عنده أنه لما تصدق على من يحوز له وعلى من يحوز لنفسه وقد علم أن من حق الذي يحوز لنفسه أن يقاسمه فيحوز لنفسه كان إنما تصدق على أن يحوز لبنيه الصغار مقسوما فلم يجز أن يحوز لهم مشاعا وأجاز أن يحوز لبنيه الصغار مشاعا ما وهبه لهم مشاعا إذا لم يعمل على أن يحوز لهم مقسوما، فأجاز إذا تصدق عليهم بنصف غنمه أو دوابه وأبقى النصف الثاني لنفسه أو وهبه في السبيل أن يحوز لهم النصف الذي تصدق به عليهم على الإشاعة إذ لم يعمل على أن يحوزه لهم مقسوما.
ومعنى ما ذهب إليه مالك أنه أجاز أن يحوز لبنيه الصغار على الإشاعة ما وهبه لهم أو تصدق به عليهم على الإشاعة، كانت إشاعتهم مع نفسه أو مع من يقوم بالحيازة لنفسه من كبير أو مع من لا يقوم بها لنفسه مثل السبيل أو المساكين غير المعينين، وأصبغ لا يجيز أن يحوز لبنيه الصغار ما تصدق به عليهم أو وهبه إياهم مشاعا إلا مقسوما بكل حال، كانت إشاعتهم مع نفسه أو مع من يقوم بالحيازة لنفسه من كبير أو مع من لا يقوم بها من سبيل أو مساكين غير معينين على ما يأتي في رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات، فهي ثلاثة أقوال: قول مالك وقول ابن القاسم وقول أصبغ.
والحبس خارج عن هذا كله لا اختلاف في أنه إذا حبس على بنيه الصغار والكبار فلم يحز الكبار يبطل نصيب الصغار من أجل أن القسمة فيما بينهم لا تصح من أجل أنه لا يثبت نصيبهم على شيء واحد.
واختلف قول مالك فيمن تصدق على ابنه الصغير بعدة من غنمه أو خيله دون مسماة ولا موسومة فمرة رآها كالجزء المشاع لأن الحكم يوجب له الشركة فيها بما يقع للمتصدق بها من جملتها، فأجاز حيازتها له وإن لم يقسمها ولا وسمها.
ومرة لم يرها كالجزء المشاع، إذ ليس لشريك له فيها حتى يشتركا فيها، فلم يجز حيازته له فيها حتى يقسمها ويسميها أو يسمها، فمن لم يجز حيازته له إذا وهبه جزءا إلا بعد المقاسمة فأحرى ألا يجيز حيازته له إذا وهبه عددا إلا بعد المقاسمة، ومن حيازته له إذا وهبه عددا فأحرى أن يجيزها له إذا وهبه جزءا، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: إجازة حيازته له في الموضعين والمنع من ذلك في الموضعين والتفرقة بينهما، وبالله التوفيق.
وقد اختلف إذا تصدق على بنيه الصغار والكبار فحاز الكبار لأنفسهم وحاز هو للصغار، فروى عن ابن القاسم أنه يبطل كله، وهو على أصله الذي ذكرناه. وقال ابن المواز: يجوز كله. وهو الذي يأتي على أصل مالك الذي ذكرناه.
واختلف أيضا إذا تصدق رجل على رجل بنصف أرضه على الإشاعة. فقال ابن القاسم في تفسير ابن مزين: هي حيازة، ولم يرها أصبغ حيازة. وذلك على أصله الذي ذكرناه عنه، وبالله التوفيق.